عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

268

اللباب في علوم الكتاب

الأوّل : قراءة أبي « فعدّة من أيّام أخر متتابعات » ، فكذا القضاء « 1 » . وقال بعضهم : التّتابع مستحبّ ، وإن فرق ، جاز ؛ فيكون أمرا بصوم أيام على عدد تلك الأيّام مطلقا ، فالتقدير بالتتابع مخالف لهذا التّعميم ، ويروى عن أبي عبيدة بن الجرّاح أنه قال : « إنّ اللّه لم يرخّص لكم في فطره ، وهو يريد أن يشقّ عليكم في قضائه ؛ إن شئت فواتر ، وإن شئت ففرّق » ، وروي أنّ رجلا قال للنبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - : عليّ أيّام من رمضان ، أفيجزيني أن أقضيها متفرقا فقال له : « لو كان عليك دين ، فقضيته الدّرهم والدّرهمين ، أما كان يجزيك ؟ » فقال : نعم ، قال « فاللّه أحقّ أن يعفو ويصفح » « 2 » . قوله « يطيقونه » الجمهور على « يطيقونه » من أطاق يطيق ، مثل أقام يقيم ، وقرأ « 3 » حميد « يطوقونه » من « أطوق » كقولهم أطول في أطال ، وأغول في أغال ، وهذا تصحيح شاذّ ، ومثله في الشّذوذ من ذوات الواو أجود بمعنى أجاد ، ومن ذوات الياء أغيمت السّماء ، وأجبلت ، وأغيلت المرأة وأطيبت ، وقد جاء الإعلال في الكلّ ، وهو القياس ، ولم يقل بقياس نحو أغيمت وأطول إلا أبو زيد . وقرأ ابن عبّاس « 4 » وابن مسعود ، وسعيد بن جبير ، ومجاهد ، وعكرمة ، وأيّوب السّختياني ، وعطاء « يطوّقونه » مبنيّا للمفعول من « طوّق » مضعّفا ، على وزن « قطّع » ، وقرأت عائشة ، وابن دينار : « يطّوّقونه » بتشديد الطاء والواو من « أطوق » ، وأصله « تطوّق » ، فلما أريد إدغام التّاء في الطاء ، قلبت طاء واجتلبت همزة الوصل ؛ ليمكن الابتداء بالسّاكن ، وقد تقدّم تقرير ذلك في قوله تعالى : أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما [ البقرة : 158 ] وقرأ « 5 » عكرمة وطائفة « يطّيّقونه » بفتح الياء ، وتشديد الطّاء ، والياء ، وتروى عن مجاهد أيضا ، وقرىء أيضا هكذا لكن ببناء الفعل للمفعول . وقد ردّ بعضهم هذه القراءة ، وقال ابن عطيّة « 6 » تشديد الياء في هذه اللّفظة ضعيف وإنّما قالوا ببطلان هذه ؛ لأنّها عندهم من ذوات الواو ، وهو الطّوق ، فمن أين تجيء الياء ، وهذه القراءة ليست باطلة ، ولا ضعيفة ، ولها تخريج حسن ، وهو أن هذه القراءة ليست من « تفعّل » ؛ حتى يلزم ما قالوه من الإشكال ، وإنما هي من « تفعيل » ، والأصل « تطيوق » من « الطّوق » ك « تديّر » و « تحيّر » من « الدّوران » و « الحور » ، والأصل « تديور » ، و « تحيور » فاجتمعت الواو والياء ، وسبقت إحداهما بالسّكون ، فقلبت الواو ياء ، وأدغمت الياء في الياء ، فكان الأصل « يتطيوقونه » ، ثم أدغم بعد القلب ، فمن قرأ

--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 67 . ( 2 ) ذكره الرازي في تفسيره 5 / 67 . ( 3 ) انظر : الشواذ 11 ، والمحرر الوجيز 1 / 252 ، والبحر المحيط 2 / 41 ، والدر المصون 1 / 462 . ( 4 ) انظر : المحرر الوجيز 1 / 252 ، والبحر المحيط 2 / 41 ، والدر المصون 1 / 462 . ( 5 ) السابق . ( 6 ) ينظر : المحرر الوجيز 1 / 252 .